ليس من الصعب أن يلحظ أي مراقب للأوضاع في الجماهيرية بأن تحولات عديدة جرت ولا تزال تتواصل في الجماهيرية. فعلى صعيد ملف الحريات أطلق سراح سجناء الإخوان المسلمين الذين شارك في الدفاع عنهم نخبة من رجال القانون الليبيين، ثم رأينا عودة العديد منهم إلى مراكزه العلمية ومشاركتهم البارزة في الفعاليات العلمية. ولعلني أستشهد في هذا الصدد بمقالات الدكتور عبد الله شامية الأخيرة عن الاقتصاد الليبي والتي نشرت على صفحات ليبيا اليوم. ولا نزال نسمع عن حوارات تجري مع قطاع آخر من الإسلاميين داخل السجن.
وهناك تحولات بإرجاع الحقوق أو ما يعرف بالأملاك المستردة، وتشكيل لجان لحصر أصحاب الحقوق ومن ثم تعويضهم أو رد الحقوق إليهم. كذلك هناك التطورات القضائية الذي تمثلها اليوم عدد القضايا المرفوعة ضد العديد من أجهزة الدولة للكشف عن مصير ما بات يعرف إعلاميا بسجن أبو سليم.
ولم تغب هذه التحولات عن أداء اللجنة الشعبية العامة، فرأينا شفافية ملحوظة في موقعها، الذي ينشر بشكل متتابع قراراتها وملخصات لما دار في اجتماعاتها كما يستطلع رأي الزوار عبر زاوية خاصة عن آرائهم في قضايا عدة تهم المواطن الليبي. وبات من الممكن تتبع حركة أمين اللجنة الشعبية العامة في الداخل والخارج.
وعلى المستوى الإعلامي لاحظنا انطلاقة قناة الليبية وإذاعة الليبية حتى بعد الخلاف حولها عادت من جديد لمؤسسيها. كما لمست شخصيا تحولات في إرادة القائمين على قطاع الإعلام سواء المتلفز أم المكتوب، من خلال الابتعاث المتواصل لأعداد وفيرة من الصحفيين والإعلاميين لتلقي دورات في مراكز متخصصة في بعض الدول العربية، كما استمعت إلى حوارات صريحة وجريئة في نقد الأداء الإعلامي من الكثير من الصحفيين والإعلاميين وبحضور مسؤولين.
وحتى التخطيط أسند لشخص مشهود له بالخبرة والمعرفة هو الدكتور محمود جبريل والذي قدم عدة أوراق وأطروحات كما يحاول أن يشرك الكثير من قطاعات المجتمع حول ما يطرحه من خطط وأفكار.
ومما لا شك فيه أن جهات عدة ساهمت في هذا الحراك الإيجابي والتغييرات والتي على رأسها القيادة الليبية نفسها، ومؤسسة القذافي للتنمية، والمؤسسات العلمية مثل جامعات قاريونس والفاتح. وأسهم كل من مركز دراسات الكتاب الأخضر ومركز دراسات جهاد الليبيين في جمع نخبة من المثقفين للتفكير واقتراح الحلول وفتح الآفاق.
غير أن كل ذلك لا ينفي وجود اختلافات وتعارضات في داخل الجماهيرية في وجهات النظر وتفسير للرؤية المقصودة من كل هذه التحولات. فهناك من يتحفظ عليها ويرفض حتى تسميتها بالإصلاح، وبالمقابل يوجد من النخب من يصر على اعتبار ما يحدث اتجاه إصلاحي يرغب بانتقال الجماهيرية مما اصطلح على تسميته مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، ولكن يحتاط هذا الاتجاه في طرحه بأن الانتقال يلزم أن يكون مدروسا وواعيا.
وأما لليبيين في المهجر فهناك من لم يتحفظ في تأييد التحولات وخطوات الإصلاح وطالب بالمزيد منها مثل جماعة الأخوان المسلمين، وفي المقابل يوجد من تناغم مع منطلقاته التي ترفض كل تغيير أو إصلاح يمكن أن يحمل الصفة الرسمية للدولة.
غير أن المؤكد مع كل هذه الاختلافات بأن الزمن لن يتوقف عند أي طرف، فضلا على أن يعود إلى الوراء، وهو ما يستدعي ضرورة قطع التردد بالنسبة للمتفائلين في ما يحدث من تحولات داخل الجماهيرية والإسراع لدعم مسيرة التحولات واتجاهات الإصلاح -بغض النظر عما قد يحدث من اختلاف بعد ذلك- ما دام هو من باب الخلاف الذي لا يلغي الآخر ولا يقصيه.
لكن ما سبق تم ولم يكن للجماهير الليبية دورا ملحوظا فيه. ويبقى على المجتمع والجماهير الكثير مما يتوقع أن تفعله للحفاظ على مكتسبات الإصلاح والتحول الإيجابية من ناحية، ولحما
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ